سيف الدين الآمدي

62

غاية المرام في علم الكلام

عدمه نقصا ما ، والذي يوضح هذا هو أن ما ظهر من حكمة بعثة الرسل والأنبياء وتبليغهم ليس إلا إصلاح الخلق وتقويم نظامهم ، وإن كنا نعلم أن عدم هذه الحكمة ووجودها بالنسبة إلى حال النبي سيان ، فيما يرجع إلى نفس كماله ونقصانه ، وهذا مما لا ينكره عاقل إلا عن عناد . ثم إن هذا مما لا يصح إيراده ممن يعترف بكون الباري تعالى مريدا ، من المعتزلة وغيرهم . وإن ورد من الفلاسفة الإلهيين ومن تابعهم فهو لازم عليهم أيضا ، فإنهم قضوا [ بأن ] الترجيح في الوجود وغيره إنما يستند إلى ذات واجب الوجود ، وإن ما وجب به لا يتأخر وجوده عن وجوده ، بل هو ملازم له في الوجود ، كملازمة حركة الخاتم لحركة اليد . كما سيأتي تفصيل مذهبهم . وعند ذلك فنقول : ملازمة ما وجد به ووجب عنه إما أن تكون وعدمها سيان أو أن الملازمة أولى : فإن كانت الملازمة وعدمها سيان ، فالقول بوجوب اللزوم في الوجود متناقض . وإن كانت الملازمة هي الأولى ، فلا محالة أن ما هو الأولى في لزومه له أنه يستفيد بملازمته كمالا وبعدمه نقصانا . فإذا ما هو اعتذارهم في الذات هو اعتذارنا في الإرادة ، ولا محيص عنه . ومما يلزمهم أيضا في ذلك أن تكون الأنفس الفلكية المخصصة للحركات الدورية كما عرف من مذهبهم ، متوقفة في حصول كمالها على معلولها ، لكونها مخصصة له بالإرادة . وفي ذلك توقف كمال الأشرف على المشروف ولا خلاص لهم منه . وأما ما ذكروه من الوجه الثاني : في قولهم : « لو كانت صفة نفسية قديمة لما تعلقت ببعض المتعلقات دون البعض كما في العلم » ، فمع أنهم قد نقضوا ما أبرموه ، وحلوا ما عقدوه بالقدرة ، فإنهم قالوا : إنها صفة قديمة نفسية ولا تعلق لها بأفعال العباد ، فهو صحيح . وسنبين فيما بعد - إن شاء اللّه - أنه لا خالق إلا اللّه . ولا مبدع إلا هو .